close

ستة أشهر كموظفة حجوزات

هناك بعض الأمور التي تعلم أنها مقدرة لك من الوهلة الأولى.. تماماً كهذه الوظيفة، وهذا الفندق تحديداً!
بدءًا من الصدفة التي جمعتني بصديقة قريبتي التي أخبرتني بأنها حديثة تخرج وتعمل الآن كموظفة حجوزات وأن هناك وظائف متاحة للنساء ( مع العلم أني لم أقم بسؤالها ) لأني لم أكن متحمسة لفكرة الوظائف الروتينية في تلك الفترة وما أزال.
لكن ولسبب ما تشجعت كثيراً أن أجرب العمل في الفنادق، خاصة وأن بيئة العمل بجانب الحرم مختلفة.. بدءًا من عظمة المكان، سكونه واكتظاظه في نفس الوقت، حياة الناس هناك و الجنسيات المختلفة التي تقابلها يومياً.

كان في ذهني فنادق محددة أردت العمل بها عندما ذهبت لتقديم سيرتي الذاتية، لم يكن الفندق الذي أعمل به الآن من ضمنها. لكن صادف أثناء تقديمي دخول وقت صلاة الظهر.. صليت الفرض وبعدها الاستخارة، بعد الصلاة مباشرة وفي طريقي للفندق الأخير.. رأينا هذا الفندق الذي أعمل به الآن.. أخبرتني صديقتي أن أقدم سيرتي  فيه بما أنه أمامنا، ذهبت وبالفعل قاموا بعمل مقابلة أولية معي وأعطوني موافقة مبدئية!.

بعد ذلك اليوم انتظرت ولم أتلقى أي اتصال من أي فندق ولأكون صريحة أحبطني ذلك جداً خاصة وأن هذه أول وظيفة أحاول التقديم لها  وبعد مرور أسبوعين ذهبت للحرم مجددًا .. صليت الاستخارة مرة أخرى وفي اليوم التالي تلقيت اتصالاً من موظف الموارد البشرية يبلغني فيها بأن غداً ستكون مقابلتي مع مدير الموارد البشرية، وكان هذا ما دونته في مذكراتي ذلك اليوم:


22.3.17

اليوم قمت بأول مقابلة عمل رسمية في حياتي، ولأن المرات الأولى دوماً مختلفة أردت أن أسجلها ..
لم أتوتر في حياتي من قبل كما كنت صباح هذا اليوم .. كذلك لم أكن أكثر انضباطاً في موعد كما كنت اليوم !
عندما انتهيت من المقابلة اقتنعت كثيراً بفكرة أننا نضخم الأمور داخلنا قبل أن تحدث.. فالمقابلة لم تأخذ سوى خمس دقائق على الأغلب وجميع الأسئلة كانت سطحية ولم تكن الإجابة عليها بذلك التعقيد الذي تصورته.

بعدها بأسبوع تقريباً تم اختياري في قسم الحجوزات رغم أني كنت أفضل قسم المالية، حاولت قدر الإمكان ان أذكر نفسي بأهمية التجربة التي أخوضها وأن لا أقلل من أهمية عملي مهما كان. فأكثر شيء تعلمته من خلال عملي في الفندق بصفة خاصة وأبراج البيت بصفة عامة هو أن لكل شخص دوره المهم مهما بدا في أعين الآخرين صغيرًا وبدونه لن تكتمل المنظومة.


27.4.17

اليوم كان أول يوم كامل أتسلم فيه المكالمات.. أشعر وكأنه أكثر يوم تحدثت فيه بالهاتف في حياتي، لدرجة أني أصبحت أسمع صوت الرنين حتى بالمنزل. في الحقيقة أحببت شعور أن كل مكالمة تحمل مفاجأة في داخلها.. لغزاً جديداً،صوتاً جديداً، ولهجة جديدة.
رغم بعض الإخفاقات في استخدام البرنامج والإخفاقات اللغوية أيضاً، إلا أنني كنت أشعر بالسعادة عندما أنجز مهمة لأحدهم ويدعو لي.


 

هذا العمل جعلني أنتبه كثيراً إلى مدى تأثير الكلمات التي تخرج منا على الآخرين حتى وإن كنا نراها بسيطة
فبعضهم كان بكلمة واحدة أو بنبرة صوت راضية يصنع يومي والبعض الآخر كان العكس تماماً !.

فمن المواقف التي لن أنساها هي عندما تحدثت مع الشاب التركي حسن والذي كان يحجز لرئيسه في العمل، عندما أخبرته بأني سأعطيه خصم 10 % فرح بذلك وأخبرني بأنه إذا كٌتِب له زيارة مكة سيأتي إلى نفس الفندق. أخبرته بأنه سيكون له خصم أيضاً.. فرح جداً بذلك وأخبرني بأنه سيفعل لي المثل إذا زرت تركيا وسيساعدني في حجز الفنادق.

أيضاً عندما تحدثت مع فتاة – لا أذكر اسمها- وقد أطالت الحديث في المكالمة لكنها قبل أن تنهيها قالت ” أخذت من وقتك 22 دقيقة لكنك كنتِ في غاية الصبر والتجاوب معي فشكراً لك ” .. فمجرد تقديرها لذلك جعلني أنسى المكالمة والوقت وأتذكر فقط ذلك السطر لها .

وعلى العكس عندما أجبت على امرأة.. أخبرتها بكيف يمكنني أن أساعدك ؟
ردت علي بـ ” لا أريدك أن تساعديني .. أريدك ان تحولي المكالمة لمساعد المدير ” !.

أيضاً الأستاذ فرحان الذي لا أزال أذكر رده الاستفزازي عندما أخبرته بأن سعر الغرفة يشمل الافطار والإنترنت.. أجاب قائلاً:
” مشاعل.. بكرا ان شاء الله تسافري وتعرفي إن محد يقول الإنترنت مجاناً لأنه أحد البديهيات”
“بنسافر أستاذي وفي فنادق تحاسب على الانترنت “
” شكلك بسبب عملك في هذا الفندق تعودتي على الفنادق اللي بمستواه، الفنادق اللي برا تعدوا هذه المراحل وصاروا يقدموا فواكه ومساج مجاناً!” .. وتطول المحادثة، المهم أنه لم يحجز بسبب سعر مواقف السيارات لدى الفندق وأراد أن أوصل رقمه للمدير ليتواصل معه ويعطيه موقف مجاناً!. لأكون صريحة لم أعط رقمه للمدير بسبب أسلوبه المستفز ولم أعاود الاتصال به.

بالحديث عن الإنترنت أذكر أني في أول أسبوع لي عندما أخبرت أحد النزلاء أن الإنترنت مجاني رد بـ ” أنتم تتمننوا علينا.. اليهود اللي برا صاروا أحسن من المسلمين ! “

لا أخفي عليكم بأني أقسمت بعد هذين الموقفين أني لن أذكر الإنترنت أبداً!

من الأشخاص الذين لم أنساهم أيضاً هي أم متعب أو أخت متعب لا أعلم، المهم بأن متعب هذا صغير على حسب قولها وأنه هو من قام بالحجز لها في Booking.com وهو الذي رفض الدفع لذلك اتصلت لتحجز مرة أخرى ولكن لم  يكن لديها بريد الكتروني لأن متعب هو من لديه ولم تعلم كيف تصنع لها واحداً  رغم أنها تبدو شابة، لذلك لم تحجز فهي تنتظر بأن يستقيظ متعب من نومه  ويعطيها البريد الالكتروني!. لأكون صريحة.. لا أعلم لماذا ولكن شعرت بالحزن عليها لأنها جعلت من متعب الصغير شخصاً يدير حياتها.

أيضاً إبراهيم الذي أخطأت وحسبته فتاة فكنت أخاطبه بصغية مؤنث ولم أعرف أنه ذكر إلا عندما راجعت معه الحجز وأخبرته بأن الحجز باسم الأستاذ إبراهيم .. رد بـ ” ومعك الأستاذ إبراهيم ” . لا أذكر من المحادثة معه إلا كلمة ” فخم “، فكانت كل أسئلته تتمحور عن الفخامة .. ” كيف الجناح اللي أنا حاجزه – فخم- ؟”،”عندكم خدمة توصيل من المطار وكيف السيارات – فخمة- ؟” ، “كيف المطعم – فخم-؟”، “عندكم كافيه في القمة مطل على الحرم زي بعض الفنادق الفخمة؟”.

أحد المواقف المضحكة هو أنني عندما أخبرت فتاة بأن لدي مشكلة تقنية في النظام وسأعاود الاتصال بها خلال دقائق.. سمعت صوت أمها وهي تخبرها ” لا تسكرين هذي تصرفك ” !

في الحقيقة أحب عندما أحدث كذا فرد من العائلة نفسها.. فكثير من المتصلين يتشاور مع عائلته عند الحجز ويكون صوتي مسموع لهم جميعاً فتارة أحدث الأم، تارة الأب، وتارة الابنة لتعطيني البريد الالكتروني، والابن ليسأل عن الموقع .. لا أعلم لماذا بالرغم من أن الكثير من زملائي في العمل يتضايقون عندما يحدث ذلك ولكني أشعر بشيء من الحميمية وروح العائلة في تلك المكالمات.

كذلك أحب روح كبار السن في المكالمات خاصة عندما يقومون بمكاسرتي في السعر.. أذكر إحدى الخالات أخبرتني أن أعطيها سعر الغرفة بـ 2000 وإلا ستبحث عن فندق آخر . إحدى المتصلات الشهر الماضي كانت أيضاً كبيرة في السن – أم ثامر- عندما أخبرتها بأن المبلغ الإجالي سيكون 1080 ريال ردت قائلة ” خليها 1000 خلاص وشيلي الـ 80 “. أعترف بأن هذه المكالمة كانت من أسعد المكالمات التي حدثت خلال ذلك الشهر حتى عندما أخبرتها باسمي قالت بلهجتها ” يازينك .. عندي بنت اسمها مشاعل، نبي نشوفك ان شاء الله لا جينا مكة “. كذلك إحدى الأشياء المضحكة التي حدثت خلال مكالمتي معها عندما أخبرتها بأن تعطيني ” الإيميل” ردت بـ ” ما عندي إيميل يا بنيتي ولا أعرفله، لكن عندي بريد الكتروني “. وأنا أكتب هذا الموقف تذكرت عم اتصل في رمضان أضحكني رده عندما أخبرته بأن يتواصل مع Booking.com من أجل مشكلة في حجزه جاوب ب “يابنتي بوكينق برنامج كيف أكلمه ؟!”.

يبدو بأنني لو أعطيت لنفسي الفرصة لكتابة المواقف جميعها فلن أنتهي، ففي الستة أشهر هذه تحدثت مع عدد لا يحصى من الأشخاص باختلاف جنسياتهم واختلاف عقولهم حتى اختلطت علي لهجتي وأصبحت -أكلج- في الحديث كثيراً!
قد يقلل بعض الأشخاص من أهمية عملي، لكن لدي قناعة تامة بأن هذا العمل علمني مالا يمكن أن أتعلمه في وظيفة أخرى.. كنت دوما ما أخشى الحديث مع أشخاص لا أعرفهم كما كنت قليلة الكلام على العكس من الآن – لا أعلم هل هذه خصلة جيدة أم لا – .. هذه الوظيفة جعلتني أفكر في مدى وقع كلامي على الآخرين والإنطباع الذي يتركه صوتي لديهم.. فمن الصوت ومنه فقط أستطيع أحياناً أن أستنبط شخصية المتحدث.

* هذه التدوينة لذاتي المستقبلية .. حتى لا تنسى الشغف الذي بدأت به وتذكر دوماً أن كل مكالمة تحمل قصة !

Tags : تجاربوظائف

12 تعليق

  1. الله على تجربتك الرائعة بعد ذكر التجربة ارى انها وظيفية تحتناج الى الكثير من الصبر والصبر وفهم العميل جيدا
    شكرا على تدويك ،،،،طيب ماذا اكتسبتي انت من العمل هل زادت ثقتك بنفسك وخبرة في العمل ،،،،وشكرا

    1. فعلاً الكثير والكثير من الصبر!
      بالتأكيد تغيرت شخصيتي بعد العمل حيث أصبحت أكثر انفتاحاً في التعامل مع الآخرين
      مازلت أحاول التغلب على خجلي لكني أفضل من ذي قبل 🙂

  2. تدوينه رائعه!! الوظائف اللتي تتطلب التعامل مع الزبائن من العامه تتطلب اعصاب حديديه حقيقه! اهنئك على تحملك المواقف الصعبه و تقديرك للمواقف الجميله 🙂

شاركني تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: