close

64 يوماً !

 

Going out of your comfort zone may make you stumble upon  numerous new comforts

لطالما كان السفر بالنسبة لي وسيلة للتعلم والنضوج ، وسيلة للتفكر والتغيير
فالحياة كثيراً ما تبدو مختلفة عندما تنظر إليها من خارج قوقعتك ..!
السفر هو فرصة لمليء النفس بتجارب جديدة ، روائح جديدة ، مذاق جديد والخروج بمفهوم جديد للحياة.

في شهر مارس الماضي قدر الله لي رحلة إلى كندا لغرض تطوير اللغة الانجليزية ووقع الاختيار على ” تورونتو “
كانت المرة الأولى بالنسبة لي التي أمكث فيها هذه المدة في دولة أخرى ..وفي الحقيقة أحببت ذلك كثيراً
فهذا منحني الفرصة لا أن أفعل ما يفعله السائح فقط بل أن أجرب الحياة فيها كشخص من أهل المدينة.
خلال هذه الشهرين تعلمت الكثير. ليس فقط اللغة الانجليزية بل عن عادات الشعوب الأخرى وثقافاتها.
فهذا هو مايميز كندا عامة وتورونتو خاصة  أنها تجمع العالم كله تحت مظلة واحدة فالجميع مرحب به في هذه الدولة والجميع يعامل  بنفس الاحترام. ففي يوم واحد يمكنك أن تتحدث إلى شخص من الهند، الفلبين، البرازيل،الصين، كوريا، اليابان، الصومال، مصر، السودان، روسيا وغيرها مما اختلف من الجنسيات.
أكثر صديقاتي كن من البرازيل وهي دولة لم أكن أعرف عنها الكثير في الحقيقة وكل ما كنت أعرفه عنها هو القهوة والسامبا 🙂
تعلمت الكثير عن هذه الدولة من خلالهن وأنها الآن تعاني من أزمة اقتصادية وسياسية.
وأكثر من كان في المعهد من البرازيلين كان قد سرح من عمله بسب تلك الأزمة لذلك أتوا لتطوير اللغة الانجليزية لديهم والحصول على فرص وظيفية أفضل في دولتهم.

يدهشني كثيراً اختلاف اللغات بين الشعوب رغم أننا نعيش على أرض واحدة !
أحب أن أتفكر كثيراً في هذا الاختلاف وكيف أن الله فرق بين ألسنتا وكيف أن مخارج الحروف تختلف باختلاف لغتك. فهناك أشخاص لا يستطيعون نطق الراء أو الذال أو لا يستطيعون التفريق في السماع بين حرف الخاء والحاء والهاء. كما أن كلمة ما في لغتك قد تعني معنى آخر مختلف تماما في لغة أخرى!. بل حتى التعبير عن الألم  يختلف!
ويدهشني أيضاً اختلاف منظرورنا تجاه الأشياء باختلاف الدول التي أتينا منها وما يمكن أن تراه صحيحاً قد يراه غيرك خاطئاً والعكس حتى لو كنا نعتنق نفس الديانة فكما تقول صديقتي البرازيلية بيانكا
” each Pearson is each person “
أذكر مرة في أحد دروس الكتابة كانت هناك رسمة لفتاة ترتدي تنورة سوداء ضيقة وفوق الركبة ، كان علينا أن نصف ما ترتدي .أنا ورجل آخر من تركيا  قلنا بأنها ترتدي تنورة سوداء قصيرة . وتفاجأت بأن الجميع كان له رأي مخالف وهو أنها لا تعد قصيرة بل ضيقة!.

64 يوماً

من الاختلافات أيضاً.. أن معظم اليابانيين كانوا يعتقدون أن قيادة السيارة في كندا تعد خطراً لأنهم لا يراعون قواعد السلامة في قيادتهم. بينما كان العكس تماما بالنسبة لي وللبرازيلين ففي كندا يراعون قواعد السلامة أكثر مما لدينا.
ومن الأشياء العجيبة التي عرفتها عن الكوريين أنهم لا يعانقون والديهم عندما يكبروا وذلك لأن العناق في نظرهم فقط للأطفال ..فتصوروا كيف كانت دهشتنا عندما أخبرونا أنهم حتى عندما قدموا إلى كندا لم يعانقوا والديهم في المطار فقط قاموا بالتلويح لهم رغم أنهم سيمكثون في تورونتو سنة كاملة!.

أيضاً خلال هذه الرحلة تعلمت الكثير عن ذاتي فخروجي من روتيني المعتاد وتحدثي إلى أشخاص جدد لم ألتقي بهم من قبل ومن دول لا أعرف عنها الكثير كالبرازيل مثلاً . بالإضافة إلى أني كنت الطالبة العربية الوحيدة في هذا المعهد .
كل ذلك ساعدني على إكتشاف نقاط قوتي وملاحظة نقاط ضعفي التي لم ألاحظها بسبب الروتين .
فمثلا لطالما اعتقدت بأني خجولة في تحدثي مع الآخرين وتكوين صداقات جديدة وربما يرجع السبب إلى اكتفائي بأصدقائي المقربين هنا .. لكن عندما وضعت في مكان لا أعرف أحداً فيه اكتشفت بأني كونت فكرة خاطئة عن ذاتي وأنه في الحقيقة يمكنني تكوين العديد من الصداقات الجديدة فالأغلب هناك كان يصفني بأني اجتماعية مما كان يثير دهشتي. في الواقع بعد هذه التجربة أعتقد بأني كنت مخطئة في اكتفائي بعدد معارفي وعدم رغبتي في توسيع تلك الدائرة، لأني بتلك الطريقة لن أضيف إلى خبراتي الكثير خاصة وان كان لدينا نفس الاهتمامات بعكس لو قابلت أشخاصاً من خلفيات مختلفة واهتمامات متفرقة فبتلك الطريقة يمكنني تعلم أشياء جديدة ورؤية مختلفة للحياة.
أيضاً اتضح لي أني جيدة في الشرح للآخرين وهذا مغاير تماماً للفكرة التي كونتها عني وهي أني فاشلة في الشرح فأكثر من شخص هناك كان يطلق علي لقب معلمة .
على الجانب الآخر .. أحد نقاط الضعف والتي لاحظتها مؤخراً هو عدم قدرتي على قول لا أو الاعتراض على أمر ما خوفاً من أن أجرح الآخرين فمثلاً كان من المفترض لمربية المنزل التي كنا نسكن عندها أن تعد لنا 3 وجبات يومياً وقمنا بالدفع لها على هذا الأساس لكنها بالمقابل كانت تعد وجبة واحدة فقط وهي العشاء.
الجميع أخبروني أن أتحدث إليها لكني لم أستطع التذمر أولاً لأنها كانت كبيرة في السن وثانياً لأنها كانت لطيفة جداً في تعاملها معنا .
أيضاً لاحظت بأني أحيانا ما أكون نظرة سريعة عن الشخص بناءاً على مظهره حتى وإن حاولت عدم فعل ذلك .
فمن المواقف التي لن أنساها والتي تعلمت منها الكثير وخرجت منها بمنظور آخر تماما ..
أنني في أحد الأيام في “تيم هورتونز ” الذي كان يقع مقابل المعهد رأيت امرأة عجوز بالكاد تمشي وتجر خلفها حقيبة سفر ، كان مظهرها غريب جداً فكان زيها يشابه أزياء “الهيب هوب”  شعرها مصبوغ أشقر فاتح جداً وترتدي نظارات شمسية و ” كاب ” ، كما كان بعض الأشخاص هناك ينظرون إليها باستغراب .
من الطبيعي أن انطباعي الأول عنها كان ” عجوز تشبب نفسها ” حتى أني أخبرت صديقتي عنها وكان لها نفس الرأي .
في اليوم التالي ذهبت إلى المسجد لأداء صلاة العصر وكانت الدهشة أني رأيتها تنظف المسجد !!
عندما أخبرتها بأني أريد مساعدتها رفضت .. ولاحقاً أخبروني بأنها المسؤولة عن تنظيف المسجد كل يوم وأنهم أيضاً عرضوا عليها المساعدة لكنها دوما ترفض وتحب القيام بكل شيء وحدها .
كانت دهشتي أكبر عندما رأيتها تضع الحجاب وتصلي الجماعة !
من الواضح أنها أسلمت حديثاً .
مع مرور الأيام لاحظت بأنها لا ترتدي إلا نفس الزي كل يوم وأنها دوما ما تقوم بجمع الأكل الزائد الذي يكون في المسجد في كيس وتضعه في حقيبتها .
استصغرت نفسي كثيراً لحكمي المسبق على هذه المرأة فربما ليس لديها سوى هذا الزي لارتدائه وأنها قد تكون أقرب إلى الله مني .
من المواقف أيضاً التي حدثت في المسجد أو بالأحرى درس تعلمته من طفلة صغيرة ، كان كل يوم اثنين يجتمع نسوة في المسجد لحفظ القرآن وكن يجلبن أطفالهن في بعض الأحيان .
المهم في أحد الأيام كان في الغرفة التي يتدارس فيها النسوة صحن مليء بالحلوى وكل طفل أخذ حلوى واحدة وخرج من الغرفة إلا طفلة واحدة عادت مرة أخرى وأخذت حلوى ثانية .. لاحظت طفلة أخرى أن مع تلك الفتاة حلوتين فسألتها كيف فعلتِ ذلك ؟ قالت : فقط دخلت وأخذت حلوى أخرى . حاولت الفتاة الأخرى أن تفعل مثل الأولى ولكن كلما اقتربت من الباب خجلت من الدخول وأخذ حلوى أمام النساء . عندما يئست من الدخول أتت للطفلة الأولى وقالت : لا يمكنني أن آخذ الحلوى أمامهم . ردت عليها : بلى يمكنك فقط لا تنظري إلى أحد عند الدخول للغرفة وتخيلي أنها خالية ، خذي الحلوى وأخرجي . وفعلاً ذهبت الطفلة الثانية وأتت بالحلوى وكانت في غاية السعادة .
هذا الموقف البسيط جعلني أتفكر كيف أن هناك الكثير من الفرص التي تفوتنا فقط لأننا نخشى نظرة الناس إلينا . فكيف ستكون حياتنا إذا عشناها بالطريقة التي نريدها وتجاهلنا أن هناك من ينظر إلينا من البشر ؟! .
كذلك التغير التي أحدثته الطفلة الأولى في الطفلة الثانية فلم تذهب هي وتجلب الحلوى للأخرى بل جعلتها هي بنفسها من تقوم بذلك الفعل ولابد أنه ترك أثر فيها فاعتقد أنها بعد هذا الموقف لن تخجل من أخذ حلوى مرة ثانية 🙂
شيء آخر تعلمته هناك أن الغربة تجعل من الانسان بسيط جداً يتقبل الآخرين كما هم
ففي المسجد مثلاً كان الجميع يصلي معاً مع اختلاف مذاهبهم واختلاف أساليب حجابهم فالجميع يتحدث مع الآخر بكل احترام وبدون اصدار أحكام .
حتى عندما أكون في الطريق أو في مول مثلاً وأصادف فتاة مسلمة أخرى أجدها تحييني وتلقي السلام ثم تمضي في طريقها حتى أصبحت عادة لدي أيضاً. وليس ذلك مع المسلمين فقط بل حتى في المعهد خاصة في أول الأيام كان الجميع حريص على تكوين صداقات جديدة بدون أن يهتم ماهي ديانة الشخص الآخر أو جنسيته.
أشعر بأن هناك الكثير من التجارب الجديدة التي فعلتها لأول مرة! والمواقف التي حصلت لي أو ما تعلمته عن عادات الدول الأخرى. ولا تتسع تدوينة واحدة لكل هذا لذلك ستكون هناك المزيد من التدوينات القادمة عن هذه الـ 64 يوماً بإذن الله.

Tags : تجاربحياةسفركندا

10 تعليقات

  1. من أجمل ما أقرأ في الآونة الأخيره هي تدوينات التجارب و السيره الذاتيه ، لانها تجعلك تشارك الاخرين الرؤية للامور حسب منظورهم الخاص بهم وهذا ممتع بالنسبة لي ، حيث تجدني أتوقف كثيراً مع كل سطر يمر علي ، خصوصاً تجربتك المثيره في 64 يوماً والتي جعلت لك طابعاً مفيدا للتعلم ..
    آثرتني بفكره القيام برحله حتى لو كانت لشهر واحد للقيام بمثل ما قمت به متى ما سنحت لي الفرصه بذلك ..

    تدوينتك عن تجربتك لم تعد أسيرة لديك ، فالآن المئات يستفيدون منها ..

    1. وأنا أيضاً يشدني ذلك النوع من التدوينات
      سعيدة أنها نالت على إعجابك وأنصحك بعمل التجربة متى ماسنحت لك الفرصة 🙂
      شاكرة لك جداً على تعليقك المحفز

  2. حبيت تسلسل كتابتك والمواقف وصفتيها بطريقة سينمائية *قدرت اتخيل اشكالهم ومشاعرهم*
    البنات الصغار مع الحلاو واللي تنظف المسجد.

    بانتظار اليوميات *وردة*

شاركني تعليقك

%d مدونون معجبون بهذه: